أكد مصطفى الخلفي، الوزير السابق وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أن قضية الصحراء دخلت منذ سنوات وتحت قيادة جلالة الملك محمد السادس مرحلة جديدة في سياق عالم دولي متقلب ومتغير، وفي ظل توترات إقليمية متصاعدة.
وشدد الخلفي في كلمة نيابة عن الأستاذ عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خلال ندوة في موضوع “البرلمان المغربي وقضية الصحراء المغربية: من أجل دبلوماسية موازية ناجعة وترافع مؤسساتي فعال“، اليوم الاثنين 05 ماي 2025 بمجلس المستشارين، على الحاجة لاستشراف آفاق القضية على أساس من استجلاء تحدياتها واستباق المخاطر المرتبطة بسياسات القوى المعادية لوحدنا الترابية والوطنية، وذلك في ظلال الذكرى 50 لقضيتنا.
واعتبر أن “نجاح أي ترافع فعال ومؤثر عليه أن يستند أولا على وعي تاريخي بعدالة هذه القضية، وبدون ذلك يصبح الترافع مجرد عمل سطحي وعابر وموسمي مفتقدا للأثر المطلوب.
وأوضح أننا بحاجة إلى ترسيخ هذا الوعي وتعزيزه خاصة على ضوء مستجدات البحث العلمي، وعلى رأسها أن الحقائق التاريخية لعلاقة الصحراء بباقي مناطق المغرب منذ نشأة الدولة وتشكلها بل انبعاث بعضها من الصحراء كدولة المرابطين، وهي دولة بنيت على أساس فلسفة الدولة الموحدة مع تمكين الجهات من التدبير الحر لشؤونها.
وأردف، وأن مقتضيات البيعة الشرعية، بما هي عقد يربط ساكنة الصحراء وقبائلها بالدولة المغربية طيلة قرون، وتجدد مع وفد مؤتمر أم الشكاك في أبريل 1956 للقاء جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله في ماي من نفس السنة وتهنئته بعودته من المنفى وما نتج عنه من مواقف جسدها الخطاب التاريخي لمحاميد الغزلان في 1958.
واسترسل، ثم المعطيات الجغرافية الملموسة والجذور الاجتماعية والثقافية والقبلية، التي تقف في وجه الاختراق الاستعماري والانفصالي لوجود شعب في الصحراء المغربية ومعها الحق في تكوين دويلة لم يسبق أن كان لها وجود في التاريخ.
وتابع، فضلا عن كون عدالة القضية ترتكز على الحق في مقاومة استهداف دولي وإقليمي متجدد لتقسيم المغرب، ذلك أن الصراع في جوهره هو جزء من رهان دولي استعماري هدف منذ نهاية القرن التاسع عشر وخاصة مع مؤتمر الجزيرة الخضراء في 1906 في إطار هجمة استعمارية على المنطقة ككل أفرزت ما سمي باتفاقيات سايس بيكو لتقسيم المنطقة وتجزئتها، وتقوى ذلك بنشوء نزاع إقليمي مفتعل يتغذى على قراءة تاريخية محرفة لحرب الرمال في 1963 ويتنصل من التزامات الحكومة المؤقتة برئاسة فرحات عباس في 6يوليوز 1961، ورغم تجاوز ذلك إلا أن هذه العقدة بقيت مستحكمة وأنتجت ما شهدناه في حرب الدفاع عن استرجاع الصحراء.
كما شدد على أن عدالة القضية ترتكز على القانون الدولي، بدءا من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2072 في 26 دجنبر1965 بعد تقدم بلادنا بملف الصحراء وسيدي إفني أمام لجنة تصفية الاستعمار، وهو القرار الذي أدى إلى استرجاع سيدي إفني في يناير 1969 ثم بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 1975 وأكد روابط الولاء بين المغرب وقبائل الصحراء، ثم اتفاقية مدريد لنونبر1976 وإيداعها لدى الأمم المتحدة في دجنبر1975 ومصادقة الجماعة الصحراوية عليها في فبراير1976، ثم بيعة قبائل وادي الذهب في غشت 1979 وقبل ذلك التصدي الحازم لمحاولات التقسيم بعد اتفاق 5غشت 1979 بالجزائر وإفشاله ميدانيا وعسكريا بمعارك بئر أنزران والمسيد والمحبس والسمارة وأقا والوركزيز وجسدها جنود وحدات عسكرية بانخراط أبناء الأسر المغربية كالزلاقة وأحد وبدر وخيبر.
واسترسل، أن القضية هي في جوهرها قضية وجود وليس حدود، قضية تقسيم تجزئة، وليست قضية تصفية استعمار، فهذا الأخير تمت تصفيته منذ1975، وتختزل الاستهداف القديم -المتجدد لإضعاف المغرب والتحكم فيه وتقسيمه وإعاقة نهضته ونموه، وعرقلة إشعاعه وفعاليته الإفريقية ومبادراته، وفصله عن عمقه العربي والإسلامي.
تحديات راهنة
قال الخلفي، إنه على ضوء ذلك تبرز التحديات الراهنة ممثلة في خمس تحديات كبرى، وأولها تحدي التقسيم الذي يناور خصوم القضية بطرحه المتكرر وخاصة في فبراير2002 وترحيب الجزائر به وتجدد في تقرير المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ديميستورا في أكتوبر 2024 ومحاولة طرحه كحل وسط مما يفرض الانتباه له والتصدي له.
وأردف، أن التحدي الثاني هو تحدي المعارك القضائية والبرلمانية حول شرعية استثمار الثروات الطبيعية وخاصة بعد قرار محكمة العدل الأوربية في أكتوبر 2024 ومخاطر ترجمته في تجميد البروتوكول الخاص بالمنتجات الفلاحية، مما يقتضي فعالية برلمانية لمواجهة ذلك، خاصة وهو يستبطن محاولة فرض البوليساريو كممثل قانوني لساكنة الصحراء وهو تضليل تاريخي وقانوني.
وأما التحدي الثالث، بحسب عضو أمانة “المصباح”، فهو مواصلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للصحراء وفك الارتهان بالحل النهائي عبر تأكيد رهان تحويل منطقة الصحراء بجهاتها الثلاث إلى نقطة جذب تنموي للعالم ككل، في مقابل اليأس المستحكم في مخيمات تندوف، مع تجدد التصريحات الدونكوشوتية بالإرهاب من قبل الانفصاليين.
وذكر الخلفي أن التحدي الرابع يكمن في التصدي لإعاقة الفعالية الإفريقية لبلادنا مما ظهر أبعاده في انتخابات نيابة رئاسة مفوضية الاتحاد الإفريقي في فبراير 2025، والتي كانت محطة فرز وهي مقدمة لمعركة طرد البوليساريو من الاتحاد الإفريقي فهي أيضا معركة برلمانية وسياسية بعد تراجع الدول المعترفة بالكيان الانفصالي من أزيد من ثلثي دول القارة إلى أقل من الثلث وتجاوز عدد الدول الداعمة لبلادنا في القارة 40 دولة أي أكثر من الثلثين.
وبشأن التحدي الخامس، فهو وفق الخلفي، فصل المغرب عن عمقه العربي والإسلامي، مشيرا إلى أنه يمكن العودة إلى الخطاب التاريخي لجلالة الملك في الرياض في ماي 2016 وما تلاه من انحراف الأمين العام للأمم المتحدة الذي تهجم على مغربية الصحراء واضطرت بلادنا على التصدي له وإعلانها بتقليص وضعية المينورسو، إن المعركة من أجل فلسطين هي معركة من الصحراء والعكس أيضا صحيح، فهما وجهان لقضية واحدة هي مقاومة التقسيم، وأن المغرب كما جاء على لسان جلالة الملك في رسالته إلى الرئيس الفلسطيني في 10 دجنبر 2020 من “أن المغرب يضع دائما القضية الفلسطينية في مرتبة قضية الصحراء المغربية، وأن عمل المغرب من أجل ترسيخ مغربيتها لن يكون أبدا، لا اليوم ولا في المستقبل، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل نيل حقوقه المشروعة”.
مسار جديد
أكد الخلفي أن التصدي لهذه التحديات يقتضي استيعاب واستثمار المسار الجديد للقضية الوطنية وصيانة سردية وخطاب مستوعب ومتفاعل مع التحديات.
واعتبر أن من أهم عناصر هذا المسار الجديد التطورات التالية: “الموقف الدولي والأممي الإيجابي من مقترح الحكم الذاتي كحل سياسي لهذا النزاع الإقليمي المفتعل في إطار السيادة المغربية في 2007″، و”فك الارتهان بين حل النزاع وبين التقدم في مشروع تنموي طموح في 2015، وتصاعد المجهود الوطني المبذول لتحقيق التقدم التنموي والاقتصادي للأقاليم الجنوبية وتسريع اندماج ساكنتها في تدبير شؤونهم”.
وتابع: “والعودة إلى الاتحاد الإفريقي في 2017 وتقدم الفعالية داخل مؤسساته”، و”إنهاء العبث الانفصالي في معبر الكركرات في 2020 ومعه التصدي للاستفزازات الانفصالية بإعلانهم وقف العمل باتفاق وقف إطلاق النار لشتنبر1991″.
واسترسل: و”توسع الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء (أمريكا في 2020، إسبانيا في 2022 ثم فرنسا في 2024) وسحب الاعترافات بهذا الكيان الانفصالي من طرف أزيد من 60 دولة ليبغ عدد الدول غير المعترفة أزيد من 165 دولة، في مقابل المأزق الوجودي الذي يعاني منه الطرح الانفصالي، وهو ما يكشف عنه تفاقم اليأس في مخيمات تندوف وتدهور حقوق الإنسان بها مع رفض إحصاء ساكنتها”.
وشدد أن هذا المسار تأسس على رصيد قوي من الحسم العسكري والسياسي والتنموي طيلة سنوات 1975-1991، ثم ثلاثة عقود بين 1991-2020 من التدافع في رحاب الأمم المتحدة مع مناورات كسب رهان الانفصال سياسيا مما اقتضى صمودا وتجندا كان من مواقفه الحسم مع إقصاء ساكنة الصحراء في منتصف التسعينيات ثم التصدي لفكرة التقسيم من جديد في 2002 ثم تحريف المسار بطرح قضايا حقوق الإنسان والثروات الطبيعية والمعارك القضائية حول مجال تطبيق لاتفاقيات الدولية وخاصة مع الاتحاد الأوروبي وأوهام المنطقة المحررة التي سقطت مع معركة تأمين وتحرير الكركرات من العبث الانفصالي.
رسالة الحزب
أكد الخلفي انخراط حزب العدالة والتنمية الدائم والقوي، إلى جانب القوى والهيئات والمؤسسات الوطنية تحت قيادة جلالة الملك في معركة الدفاع عن القضية الوطنية الأولى لجميع المغاربة، داعيا إلى رفع التعبئة واليقظة المستمرة للتصدي لخصوم وحدتنا الترابية ومواجهة المناورات والحملات المغرضة، وتقوية الجبهة الوطنية الداخلية وصيانة المكتسبات ورفع مستوى التصدي لسعار الانفصال ومحاولاته اليائسة، وأيضا العمل على كسب المزيد من الاعتراف بمغربية الصحراء، وجلب المزيد من التأييد والدعم لمبادرة الحكم الذاتي، كحل وحيد على طريق الحسم النهائي لهذا النزاع المفتعل.
وأضاف: “وهو الذي نعتبره مقترحا واضحا وكافيا لمفاوضات شاملة لكل الأطراف، على خلاف ما جاء في إحاطة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ديميستورا في أبريل 2025 في محاولة الالتفاف على قرار مجلس الأمن ل2007 الذي أكد جدية المقترح المغربي كإطار لحل سياسي”.
وزاد، “كما يقتضي ذلك احتواء تصاعد التوتر الإقليمي، ذلك أن عودة مناخ الحرب الباردة وسياسات التحريض والشحن والعداء من قبل منظومة الحكم بالجزائر بما يخدم سياسات التدخل الأجنبي وإضعاف وتأجيل ورش التكامل والاندماج الإقليمي، في ظل تهديدات كامنة على ضوء الصراعات القائمة على النفوذ في الساحل والصحراء الكبرى”.
ونبه إلى أن من نتائج ذلك قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب بقرار من الجزائر، وإغلاقها لأجوائها أمام حركة الطيران، وتوقف خط الغاز الجزائر- المغرب- إسبانيا، وإطلاق الجزائر لمبادرة التكتل الثلاثي الجزائر-تونس- ليبيا ضدا على رهان الاتحاد المغاربي، وصولا إلى توسيع دائرة دعم النعرات الانفصالية من طرفها، وهي حالة توتر غير مبررة وغير منتجة، فمعطيات التاريخ ومقتضيات الدين والتاريخ والجوار الجغرافي، ومستلزمات التقدم تفرض التوجه نحو الوحدة والتعاون والشراكة عوض الصراع والتقسيم، وهو ما تعامل معه المغرب بحكمة وصبر ومسؤولية رافضا أن يكون سببا في الإضرار بالجزائر وحريصا على الحفاظ على سياسة اليد الممدودة واعتبار الشراكة خيارا لبناء المغرب العربي الكبير وازدهار شعوبه.
وتقدم الخلفي بنداء جديد لقادة الانفصال ورعاتهم بالجزائر، بطي هذه الصفحة ولم الشمل والتوجه نحو المستقبل، وتوجيه دعوة خاصة للأشقاء في الجزائر إلى تغليب منطق الحكمة وروابط الأخوة والكلمة السواء والتعاطي الإيجابي مع اليد المدودة لجلالة الملك، واستحضار ما يجمع بين الشعبين الشقيقين من روابط الدين واللغة والتاريخ والجوار والمصالح المشتركة في مواجهة عالم يموج بالتحديات والمخاطر، وهو ما يفرض شرعا وعقلا التعاون وتكاثف الجهود لمصلحة الشعبين الشقيقين ومصلحة شعوب المنطقة، وتجنب الفرقة والصراع التي لن تفيد سوى أعداء أمتنا وشعوبنا ومنطقتنا.
المصدر: pjd.ma








